فخر الدين الرازي
550
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
قال اللّه سبحانه للسموات أطلعي شمسك وقمرك ونجومك ، وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك ، وكان اللّه تعالى أودع فيهما هذه الأشياء ثم أمرهما بإبرازها وإظهارها ، فنقول فعلى هذا التقدير لا يكون المراد من قوله أَتَيْنا طائِعِينَ حدوثهما في ذاتهما ، بل يصير المراد من هذا الأمر أن يظهرا ما كان مودعا فيهما ، إلا أن هذا الكلام باطل ، لأنه تعالى قال : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ والفاء للتعقيب ، وذلك يدل على أن حدوث السماوات إنما حصل بعد قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فهذا جملة ما يمكن ذكره في هذا البحث . القول الثاني : أن قوله تعالى : فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ليس المراد منه توجيه الأمر والتكليف على السماوات والأرض بل المراد منه أنه أراد تكوينهما فلم يمتنعا عليه ووجدتا كما أرادهما ، وكانتا في ذلك كالمأمور المطيع إذا ورد عليه أمر الأمير المطاع ، ونظيره قول القائل : / قال الجدار للوتد لم تشقني ؟ قال الوتد : اسأل من يدقني ، فإن الحجر الذي ورائي ما خلاني ورائي . واعلم أن هذا عدول عن الظاهر ، وإنما جاز العدول عن الظاهر إذا قام دليل على أنه لا يمكن إجراؤه على ظاهره ، وقد بينا أن قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً إنما حصل قبل وجودهما ، وإذا كان الأمر كذلك امتنع حمل قوله ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً على الأمر والتكليف ، فوجب حمله على ما ذكرنا . واعلم أن إثبات الأمر والتكليف فيهما مشروط بحصول المأمور فيهما ، وهذا يدل على أنه تعالى أسكن هذه السماوات الملائكة ، أو أنه تعالى أمرهم بأشياء ونهاهم عن أشياء ، وليس في الآية ما يدل على أنه إنما خلق الملائكة مع السماوات ، أو أنه تعالى خلقهم قبل السماوات ، ثم إنه تعالى أسكنهم فيها ، وأيضا ليس في الآية بيان الشرائع التي أمر الملائكة بها ، وهذه الأسرار لا تليق بعقول البشر ، بل هي أعلى من مصاعد أفهامهم ومرامي أوهامهم ، ثم قال : وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وهي النيرات التي خلقها في السماوات ، وخص كل واحد بضوء معين ، وسر معين ، وطبيعة معينة ، لا يعرفها إلا اللّه ، ثم قال : وَحِفْظاً يعني وحفظناها حفظا ، يعني من الشياطين الذين يسترقون السمع ، فأعد لكل شيطان نجما يرميه به ولا يخطئه ، فمنها ما يحرق ، ومنها ما يقتل ومنها ما يجعله مخبلا ، وعن ابن عباس أن اليهود سألوا الرسول صلى اللّه عليه وسلّم عن خلق السماوات والأرض فقال : « خلق اللّه تعالى الأرض في يوم الأحد والاثنين ، وخلق الجبال والشجر في يومين وخلق في يوم الخميس السماء ، وخلق في يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة ، ثم خلق آدم عليه السلام وأسكنه الجنة - ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد ؟ قال - ثم استوى على العرش - قالوا : ثم استراح - فغضب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم » فنزل قوله تعالى : وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ [ ق : 38 ] . واعلم أنه تعالى لما ذكر هذه التفاصيل ، قال : ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ والعزيز إشارة إلى كمال القدرة ، والعليم إشارة إلى كمال العلم ، وما أحسن هذه الخاتمة ، لأن تلك الأعمال لا تمكن إلا بقدرة كاملة وعلم محيط . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 13 إلى 18 ] فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 13 ) إِذْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ( 14 ) فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ ( 15 ) فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ ( 16 ) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 )